عبد الفتاح عبد المقصود
107
في نور محمد فاطمه الزهراء
غير أنّ استهجانه لم ينل شيئاً من سكينة شيخ بني هاشم ، بل زاده طمأنينةً ، فقال بهدوء : إنّي أنا ربّ الإبل أمنعها ، أمّا البيت فله ربّ يمنعه . عندئذٍ استشاط « أبرهة » غضباً ، وصاح باغترار : وما كان ليمتنع منّي . قال عبد المطلب بلا اكتراث : أنت وذاك ! وعاد بإبله « 1 » . * * * ليس حرصاً على نَشَبه « 2 » كان موقف الشيخ من عدوّه ، ليس خوفاً من جبروت القوة ، ليس تخاذلًا ولا ثبوط همّه ، ليس تواكلًا ولا تغافلًا عن التبعة . ليس كموقف بني إسرائيل يوم حثّهم موسى : أن ادخلو الأرض المقدّسة « 3 » ، فازورّوا « 4 » عنه وأجابوه : « فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ » « 5 » . أجل ، ليس هذا كلّه ، ولا بعضه . أم أين الحرص وقد قلّد عبد المطلب إبله التي استردّها ، وشعّرها ، وساقها هدياً إلى الكعبة ؟ أم يعرف الرهب سبيلًا إلى قلب من يجابه الأسد في عرينه بما يكره ؟ أم هو تخاذل أن يعقد الشيخ راية الحرب ، ويجمع أجلاد فتيان قومه يعسكرون بمنى على أهبّة ؟ أم كيف يسوغ دمغه بالتنصّل من التبعة وقد دفع بالنساء والأطفال وضَعَفَة الشيوخ والكهول ، فتحرّزوا - خشية عليهم من معرّة السبي والأسر - برؤوس الجبال ، وقمم الشعاب في مكة ؟ لا ، بل صدىً لإحساسٍ صادق بما سوف يقع كان موقفه من « الأشرم » .
--> ( 1 ) . الطبقات الكبرى 1 : 91 - 92 عن مجاهد عن ابن عباس ، البداية والنهاية 2 : 157 - 158 . ( 2 ) . النَشَب : المال . ( 3 ) . إشارة إلى قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام : « يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ » المائدة : 21 . ( 4 ) . ازورّ عنه : مال وانحرف عنه . ( 5 ) . المائدة : 24 .